السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 144

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

لكي يكون سبباً لحرارة الماء » ، فكيف استطاع أن ينجح في جعل اللفظ سبباً لتصور المعنى بمجرّد تخصيصه لذلك دون أيِّ علاقةٍ سابقةٍ بين اللفظ والمعنى ؟ وهكذا نواجه المشكلة كما كنّا نواجهها ، فليس يكفي لحلّها أن نفسِّر علاقة اللفظ بالمعنى على أساس عمليةٍ يقوم بها مؤسّس اللغة ، بل يجب أن نفهم محتوى هذه العملية لكي نعرف كيف قامت علاقة السببية بين شيئين لم تكن بينهما علاقة ؟ والصحيح في حلِّ المشكلة : أنّ علاقة السببية التي تقوم في اللغة بين اللفظ والمعنى توجد وفقاً لقانونٍ عامٍّ من قوانين الذهن البشري . والقانون العام هو : أنّ كلّ شيئين إذا اقترن تصوّر أحدهما مع تصوّر الآخر في ذهن الإنسان مراراً عديدةً ولو على سبيل الصدفة قامت بينهما علاقة ، وأصبح أحد التصورين سبباً لانتقال الذهن إلى تصور الآخر . ومثال ذلك في حياتنا الاعتيادية : أن نعيش مع صديقين لا يفترقان في مختلف شؤون حياتهما نجدهما دائماً معاً ، فإذا رأينا بعد ذلك أحد هذين الصديقين منفرداً أو سمعنا باسمه أسرع ذهننا إلى تصور الصديق الآخر ؛ لأنّ رؤيتهما معاً مراراً كثيرةً أوجد علاقةً بينهما في تصورنا ، وهذه العلاقة تجعل تصورنا لأحدهما سبباً لتصور الآخر . ومثال آخر من تجارب الفقهاء : أنّا قد نجد راوياً يقترن اسمه دائماً باسم راوٍ آخر معيَّنٍ كالنوفلي الذي يروي دائماً عن السكوني ، فكلّما وجدنا في الأحاديث اسم النوفلي وجدنا إلى صفّه اسم السكوني أيضاً ، فتنشأ بسبب ذلك علاقة بين هذين الاسمين في ذهننا ، فإذا تصورنا بعد ذلك النوفلي أو وجدنا اسمه مكتوباً في ورقةٍ قفز ذهننا فوراً إلى السكوني نتيجةً لذلك الاقتران المتكرّر بين الاسمين في مطالعاتنا . وقد يكفي أن تقترن فكرة أحد الشيئين بفكرة الآخر مرّةً واحدةً لكي تقوم بينهما علاقة ، وذلك إذا اقترنت الفكرتان في ظرفٍ مؤثّر ، ومثاله : إذا سافر أحد